معركة الأول من حزيران محور المقاومة يحمي الضاحية.. إسرائيل تتراجع.. لا معادلات أميركية دون طهران Unews Press Agency Tue 02
معركة الأول من حزيران: محور المقاومة يحمي الضاحية.. إسرائيل تتراجع.. لا معادلات أميركية دون طهران
Unews Press Agency
Tue 02 Jun 2026
يونيوز | بيروت – لبنان | الثلاثاء 2 حزيران/يونيو 2026
انتقلت المنطقة، خلال يوم واحد، من حافة مواجهة إقليمية واسعة إلى تفاهم هشّ في ظاهره أوقف الهجوم الإسرائيلي على الضاحية، مقابل وقف المقاومة هجماتها على المستوطنات.
وكادت المنطقة تعود إلى أجواء الثاني من آذار الماضي، إذ تأهبت كل الجبهات، وحركت إيران منصات الصواريخ، وأوقفت مراسلات التفاهم، واستعد اليمن لإغلاق باب المندب، بينما فتحت المقاومة في العراق مخازنها. كان القرار حازماً بمنع إسرائيل من فرض قواعد اشتباك وفق معادلاتها.
منذ الثاني من آذار/ مارس الماضي، وطوال 90 يوماً، لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من التمركز والاستقرار في المناطق التي يتوغل فيها داخل الأراضي اللبنانية، فالمقاومة تقاتل في الميدان، بينما تتولى طائرات العدو عمليات الاجتياح والتدمير. لا حسم اسرائيلي مهما كان الهجوم الجوي مدمرا.
بعد الهدنة، أدركت إسرائيل أنها تتحرك في مربع الدفاع، وإن بدت قواتها تهاجم، بينما تواصل المقاومة هجماتها. وقد كشفت فيديوهات المقاومة أنها صاحبة اليد العليا في المواجهات، وأن إسرائيل أمام خيارين: الاندفاع لاحتلال بيروت، أو الانسحاب إلى الحدود. هنا ينكشف العجز الاسرائيلي.
ففي الاجتماع العسكري بين ضباط لبنانيين وإسرائيليين، الذي نظمه الكونغرس الأميركي في واشنطن قبل أيام، أصرّ الإسرائيليون والأميركيون على تحييد المستوطنات، واقترحوا مقايضة الهدوء في المستوطنات مقابل الهدوء في الضاحية. كان هذا الاقتراح أكبر من صلاحيات الضباط اللبنانيين المكلفين بانتزاع وقف إطلاق نار شامل، لا وقفاً جزئياً للنار.
انتهت المباحثات العسكرية، وبدأت الدبلوماسية الأميركية تسويق التهدئة الجزئية: الضاحية مقابل المستوطنات. كان موقف المقاومة حازماً: وقف إطلاق نار شامل، انسحاب إسرائيلي كامل، عودة النازحين، تحرير الأسرى، وإعادة الإعمار.
حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي صناعة "صورة نصر". تسللت قوة كوماندوس إسرائيلية إلى قلعة الشقيف تحت غطاء نارية كثيف، ورفعت العلم الإسرائيلي في مكان يمكن للكاميرات رصده، والتقط الجنود بعض الصور، في وقت كان نتنياهو يحتفل بالعودة إلى القلعة بعد 26 عاماً على الهروب منها تحت ضربات المقاومة. وبعد ساعات على "صورة الشقيف"، اعترف الجيش الإسرائيلي بسقوط 7 إصابات في محيط القلعة، وتحدث لاحقاً عن قتيل واحد، ثم قتيل و3 تحت الخطر. لقد كان ثمن الصورة في الشقيف مكلفاً، واحتلال القلعة ضاعف عدد صواريخ المقاومة التي سقطت في الشمال ووصلت إلى مشارف حيفا.
استعجل نتنياهو التوسع نحو مهاجمة الضاحية ظنا منه ان ضرب الضاحية سيجبر الحزب على تقديم تنازلات، تجاهل نتنياهو الكثير من الخطوط الحمراء. لقد وضعت ايران الضاحية تحت حمايتها منذ 8 نيسان الماضي عندما شملتها في وقف إطلاق النار الذي جاءت به الوساطة الباكستانية. اعتقد رئيس وزراء الاحتلال أنه يستطيع القفز فوق المراسلات الصعبة بين واشنطن وطهران قبل الأمتار الأخيرة من إطار التفاهم، ليفرض شروطه.
مهما يكن، فإن إسرائيل أمام معضلة استراتيجية تواجهها منذ أشهر. تشعر تل أبيب بأن عودة حزب الله إلى استهداف مستوطنات الشمال قد أحبطت عملياً جميع أهداف حروبها المُعلنة، وأفرغت من مضمونها كل ما قدّمته المؤسسة العسكرية باعتباره إنجازاً.
في مواجهة هذا المأزق، لجأت إسرائيل إلى التوسع عسكرياً شمال نهر الليطاني، متخذةً من وقف استهداف المستوطنات ذريعةً رسمية، وافتعلت ما وصفته بـ"نصر ميداني" بالوصول إلى قلعة الشقيف، في حين كانت الصواريخ تواصل قصف حيفا وما حولها.
كان الرهان الإسرائيلي يقوم على معادلة مزدوجة: تحقيق تقدم ميداني في الجنوب، مع إرغام حزب الله على قبول تفاهم جزئي يقيّد عملياته في المستوطنات، فيما تبقى يد إسرائيل طليقةً في مواصلة توسعها جنوب الليطاني.
لم يكن المقترح الأميركي وليدَ اللحظة، إذ سبق وطُرح في الاجتماع العسكري اللبناني-الإسرائيلي الذي انعقد في البنتاغون نهاية الشهر الماضي، وكان يقوم على معادلة “تحييد الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل تحييد مستوطنات شمال إسرائيل”. غير أن الاجتماع انفضّ دون التوصل إلى نتيجة، فيما أصرّ الجانب الأميركي على التمسك بهذا المقترح بناءً على طلب إسرائيلي، في ما بدا محاولةً لتثبيت مظلة دبلوماسية يمكن الرجوع إليها عند الحاجة.
وجاءت أحداث الاثنين لتُعيد هذا المقترح إلى الواجهة بقوة، حين أكد مسؤول أميركي أن واشنطن تقترح أن يوقف حزب الله جميع هجماته على إسرائيل، في مقابل امتناع إسرائيل عن التصعيد في بيروت، “بما من شأنه أن يخلق مساحة لخفض التصعيد تدريجياً والتوصل إلى وقف فعلي وشامل للأعمال العدائية”.
على الجانب اللبناني، أبلغ رئيس البرلمان نبيه بري السفير الأميركي في بيروت بأن حزب الله مستعد لـ”التزام كامل وفوري” بوقف شامل لإطلاق النار، مستنداً إلى قنوات تواصل مفتوحة مع الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم. وشدد بري على أن الحل لا يكمن في هدنة جزئية، بل في وقف شامل يطال البر والجو والبحر.
بيد أن الموقف الأميركي جاء في جوهره دعماً للرواية الإسرائيلية؛ إذ حمّل مسؤول أميركي حزبَ الله المسؤولية الأولى، معتبراً أنه هو من أشعل فتيل الجولة الحالية من القتال في الثاني من آذار/ مارس الماضي، واصفاً موقف بري بأنه “مراوغ ومخيب للآمال”، ومضيفاً أن “حزب الله يسير وفق توجيهات طهران، وأن إيران تريد إطالة أمد الصراع لتنسب لنفسها الفضل في إنقاذ الموقف”.
مع اقتراب منتصف النهار، تحولت التهديدات إلى أوامر فعلية. أصدر نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس بياناً مشتركاً أعلنا فيه توجيه الجيش لقصف أهداف في الضاحية الجنوبية لبيروت. وقال كاتس: “لن نسمح بواقع يجري فيه استهداف قواتنا وبلداتنا بينما هناك هدوء في بيروت”، فيما أكد أن الجيش يعمل على تحويل منطقة الليطاني إلى منطقة يسيطر عليها أمنياً.
بعد الظهر، أطلق الجيش الإسرائيلي إنذارات رسمية بإخلاء الضاحية الجنوبية، في خطوة عكست في جوهرها المعادلة التي أراد الإسرائيليون فرضها: تقييد حزب الله باتفاق جزئي في بيروت، مع الإبقاء على حرية العمل الإسرائيلي الكاملة في الجنوب.
في مواجهة التصعيد الإسرائيلي، رفعت طهران سقف تهديداتها بصورة غير مسبوقة. أعلنت القوات المسلحة الإيرانية أن منطقة الجليل الأعلى والأسفل، والجولان، وحيفا، باتت “منطقة عسكرية مغلقة”، وأن استهداف الضاحية أو بيروت سيتبعه ضرب تلك المناطق. وأكدت استخبارات الحرس الثوري أن تجاوز الخطوط الحمراء في لبنان يعني “حرباً مع إيران”، مشيرة إلى عزمها فتح جبهات جديدة والحفاظ على “معادلة مضيق هرمز”.
كما أفادت تقارير إعلامية بأن طهران ستجمد مراسلاتها مع واشنطن ما دام التهديد الإسرائيلي ضد الضاحية قائماً، وأعلن الحرس الثوري أنه سيقصف الشمال الإسرائيلي إذا ما نفذت إسرائيل تهديداتها. فيما أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بياناً حمّلت فيه واشنطن المسؤولية المباشرة عن انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في الثامن من أبريل 2026. وأجرى وزير الخارجية عباس عراقجي، في يوم واحد، سلسلة اتصالات مكثفة شملت نظراءه القطري والفرنسي والتركي والبلجيكي، وكبار المسؤولين الباكستانيين، في حشد دبلوماسي متسارع.
في خضم هذا الحراك السياسي، كان الميدان يرسم معادلاته الخاصة؛ إذ هاجم حزب الله قوةً من لواء “جفعاتي” الإسرائيلي بست طائرات مسيّرة مفخخة دفعة واحدة عند أطراف قلعة الشقيف، في ضربة نوعية أسفرت عن مقتل الجندي “أوري سلفستر” وإصابة ستة ضباط وجنود، بعضهم بجراح خطيرة، من بينهم قائد كتيبة “شاكيد” وضابط العمليات وقائد فصيل فيها. وفي الشمال الإسرائيلي، دوّت صافرات الإنذار أكثر من خمسين مرة في ثمانين مستوطنة وموقعاً.
مع حلول المساء، بلغت الأزمة ذروتها. تشير المعطيات إلى أن قرار قصف بيروت كان قد اتُّخذ فعلاً في اجتماع أمني مصغر برئاسة نتنياهو. وفي الساعة الثامنة وست وثلاثين دقيقة مساءً، أعلن ترامب عبر منصته “تروث سوشال” أنه أجرى اتصالاً “مثمراً للغاية” مع نتنياهو، وأنه تواصل عبر “ممثلين رفيعي المستوى” مع حزب الله، مشيراً إلى أن الحزب وافق على وقف جميع عمليات إطلاق النار. وأعلن ترامب صراحةً: “أعدنا الطائرات الإسرائيلية التي كانت متجهة إلى قصف بيروت”، مؤكداً أن بيروت باتت خارج دائرة العمليات العسكرية.
كشف التدخل الأميركي عن انقسام حاد داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية. وصفت تقارير إعلامية ترامب بأنه “رئيس الوزراء الفعلي لإسرائيل”، بينما هاجم ليبرمان نتنياهو قائلاً: “هذا ليس رئيس وزراء، بل دمية”، وطالب بن غفير بأن تقول إسرائيل لترامب “لا”.
أُسدل الستار على يوم الاثنين، الأول من حزيران/ يونيو، بمشهد يجمع بين اتفاق مبدئي لم تكتمل عناصره. لكن المعادلة تبقى بالغة الهشاشة: إسرائيل تواصل عملياتها في جنوب لبنان وفق خطتها المقررة بحسب نتنياهو نفسه، وحزب الله يحتفظ بحقه في مقاومة الجيش الإسرائيلي، ويهاجم باستمرار لمنعه من الاستقرار، واستنزافه بقوة، وطهران لا تزال تلوّح بورقة هرمز في يد، بينما تحمل اليد الثانية مفاتيح باب المندب والجبهات المفتوحة.
لم تعد واشنطن قادرة على فرض معادلات منفردة، ففي كل معادلة سياسية أو أمنية، ستكون إيران طرفاً فيها.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها